أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

172

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

استطاع منهم سبيلا البيت ، وهذا الوجه قد ردّه جماعة من حيث الصناعة ومن حيث المعنى : أمّا من حيث الصناعة فلأنه إذا اجتمع فاعل ومفعول مع المصدر العامل فيهما فإنما يضاف المصدر لمرفوعه دون منصوبه فيقال : يعجبني ضرب زيد عمرا ، ولو قلت : « ضرب عمرو زيد » لم يجز إلا في ضرورة كقوله : 1366 - أفنى تلادي وما جمّعت من نشب * قرع القواقيز أفواه الأباريق « 1 » يروى بنصب « أفواه » على إضافة المصدر وهو « قرع » إلى فاعله ، وبالرفع على إضافته إلى مفعوله ، وقد جوّزه بعضهم في الكلام على ضعف ، والقرآن لا يحمل على ما في الضرورة ولا على ما فيه ضعف . وأما من حيث المعنى فلأنه يؤدّي إلى تكليف الناس جميعهم مستطيعهم وغير مستطيعهم أن يحجّ مستطيعهم ، فيلزم من ذلك تكليف غير المستطيع بأن يحجّ المستطيع وهو غير جائز ، وقد التزم بعضهم هذا ، وقال : نعم نقول بموجبه ، وأن اللّه تعالى كلّف الناس ذلك ، حتى لو لم يحجّ المستطيعون لزم غير المستطيعين أن يأمروهم بالحج حسب الإمكان ؛ لأن إحجاج الناس إلى الكعبة وعرفة فرض واجب . و « من » على الأوجه الخمسة موصولة بمعنى الذي . السادس : أنها شرطية والجزاء محذوف يدل عليه ما تقدّم أو هو نفس المتقدم على رأي ، ولا بدّ من ضمير يعود من جملة الشرط على الناس تقديره : من استطاع منهم إليه سبيلا فللّه عليه أن يحجّ ، ويترجّح هذا بمقابلته بالشرط بعده وهو قوله : « وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » . وقوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ جملة من مبتدأ وخبر وهو قوله « لِلَّهِ » ، و « عَلَى النَّاسِ » متعلق بما تعلّق « به » الخبر أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكنّ في الجار ، والعامل فيه أيضا ذلك الاستقرار المحذوف ، ويجوز أن يكون « عَلَى النَّاسِ » هو الخبر ، و « لِلَّهِ » متعلق بما تعلّق به الخبر ، ويمتنع فيه أن يكون حالا من الضمير في « عَلَى النَّاسِ » وإن كان العكس جائزا كما تقدم ، والفرق أنه يلزم هنا تقديم الحال على العامل المعنوي ، والحال لا تتقدّم على العامل المعنوي بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدّمان على عاملهما المعنوي للاتساع فيهما ، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك يجوّز تقديمها على العامل المعنوي إذا كانت هي ظرفا أو حرف جر والعامل كذلك ، ومسألتنا في الآية الكريمة من هذا القبيل . وقرأ الأخوان وحفص عن عاصم : « حِجُّ » بكسر الحاء ، والباقون بفتحها ، فقيل : لغتان بمعنى ، الكسر لغة نجد والفتح لغة أهل العالية ، وفرّق سيبويه « 2 » فجعل المسكور مصدرا أو اسما للعمل ، وأما المفتوح فمصدر فقط . وقد تقدّم في البقرة أنه قرىء في الشاذ بكسر الحاء ، وتكلّمت هناك « 3 » على هاتين اللفظتين وما ذكر الناس فيهما واشتقاق المادة فأغنى عن إعادته وللّه الحمد والمنّة . وقد جيء في هذه الآية بمبالغات كثيرة منها قوله : « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ » يعني أنه حقّ واجب عليهم للّه في زمانهم لا ينفكّون عن أدائه والخروج عن عهدته . ومنها أنه ذكر « النَّاسِ » ثم أبدل منهم « مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » وفيه ضربان من التأكيد :

--> ( 1 ) البيت للأقيشر الأسدي انظر الدرر اللوامع 2 / 125 الانصاف ( 233 ) الشذور ( 383 ) اللسان ( قفز ) . ( 2 ) انظر الكتاب 2 / 216 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 189 ) .